التعليم: سؤال الغاية قبل الكيفية (1-2)
- د. بدر بن سعود الناصر

- 13 يوليو
- 6 دقيقة قراءة

ما من دولة إلا وهي تناقش تعليمها. تختلف درجاته باختلاف النظم التعليمية، لكن يكاد الناس يجمعون على أن أحدا ليس راضيا عن التعليم في بلده، وأن الجميع يطالب بالتغيير والتطوير. وقد أصبح هذا الشعور أشد وأعم اليوم، بعد أن تسارعت تطورات الذكاء الاص
طناعي، وتوالت تنبؤات الخبراء بأنه سيغير وجه التعليم تغييرا لم يعهده من قبل. فلننطلق إذن مما لا يجادل فيه أحد: أن التعليم في صورته الحالية لا يرقى إلى ما نتطلع إليه، وأن الحاجة إلى تحوله باتت ملحة.
وعند هذا الحد يبدأ الخلاف حول كيفية هذا التحول؟ هنا تتكاثر الأسباب التي تساق لضعف التعليم. منها ما يتصل بالمناهج وضرورة تطويرها لتواكب سوق العمل، ومنها ما يلقي التبعة على المعلم وتأهيله، ومنها ما يطالب بتحديث البنى التحتية من مبان ومرافق وتقنيات. ثم أسباب أخرى لا تكاد تحصى، منها فتور الشغف بالتعلم، وتراخي أولياء الأمور، والتعويل على الاختبارات المعيارية، وغيرها مما يضيق المقال عن استقصائه.
ولست هنا بصدد مناقشة هذه الأسباب، بل عندي أن أكثرها قد يكون خطأ في التشخيص. وإلا فهل يعقل أن تغيب هذه الأسباب الظاهرة عن صناع القرار في التعليم في شتى بقاع الأرض؟ ألم تبذل من أجلها البرامج والمبادرات؟ ألا يمكن أن تكون المشكلة أكبر منها جميعا، وأن يتبين أن هذه الأسباب إنما هي نتائج لا أسباب؟ بل، وهو الأهم، ألا يمكن أن تكون المشكلة بنيوية، تمس أساس تصورنا للتعليم من جذره، فتلزمنا أن نسأل عن ماهية التعليم قبل أن نسأل عن كيفيته؟ هذا ما سأحاول أن أتلمسه فيما بقي من هذا المقال، وأن أنظر في التحول من زاوية الماهية أولا، لعلها تمهد الطريق إلى نقاش أوضح وأجدى في الكيفية.
مركزية الإنسان والحياة
لعل أكثر ما يتردد في هذا الباب مسألة محورية الوظيفة في نظام التعليم. فأكثر من يخوض في مشكلات التعليم ينطلق من أن الوظيفة غايته النهائية، ويجعلها مسلمة لا يرقى إليها الشك. بل إن منهم من ينافح عن هذه الغاية، ويرى أن لا جدوى من تعليم لا يحسن حال الفرد الاقتصادي. ولا شك أن لهذا القلق وجاهته؛ فالقلق على لقمة العيش مشروع، والخوف على مستقبل الأبناء حق. وإنما الخلاف في أن نرفع هذه الحاجة من ضرورة إلى غاية. وفي ظني أن هذا الجدل القديم الجديد لم يحسم لأننا اعتدنا أن نطرح غاية التعليم طرحا ثنائيا لا ثالث له، إما تعليم يؤهل لوظيفة وإما تعليم لا يؤهل لها. ومن هنا تنشأ تلك الخصومات الأكاديمية حول تفضيل العلوم الطبيعية على الإنسانية، والتشكيك في جدوى كليات الفنون الحرة (Liberal Arts)، والمطالبة بإغلاق تخصصات يظن أنها تفضي إلى البطالة.
لكن المتأمل في هذا الجدل يرى في أصوله خللا. فالتعليم قد يؤهل الفرد للعمل والإنتاج الاقتصادي دون أن تكون هذه غايته، بل نتيجة من نتائجه. أما حين تصير الوظيفة هي الغاية، وهي مركزية ولدت مع الثورة الصناعية، فإن التعليم ينصرف إلى إعداد أدوات لسوق العمل على حساب صناعة الإنسان نفسه، وهو أساس الحياة ومحركها. والأدهى أن هذا النهج كثيرا ما يعمل عكس ما أنشئ له. فقد ينمو الاقتصاد بخريجين فصلوا على مقاس وظائف بعينها في أسواق قائمة، وبأفراد دربوا كالآلات، لكنه نمو لا يدوم إلا بالقدرة على الابتكار وصنع أسواق لم تكن، لا بشغل وظائف قائمة.
إن فكرة التحول إلى مركزية الإنسان الذي يصنع الحياة، بديلا من مركزية الوظيفة، جديرة بأن تناقش وتبحث. قد تبدو للوهلة الأولى تنظيرا بعيدا عن أرض الواقع، عصيا على الترجمة إلى ممارسة. غير أني أحسب أنها لم تناقش بين المهتمين بقدر ما تستحق، ولم تبلغ بعد أروقة صناع القرار حتى تنضج من رؤية إلى سياسات وممارسات. ثم إن التحدي الذي يواجه التعليم هذه المرة، وهو ثورة الذكاء الاصطناعي، لا يشبه ما سبقه من تحديات، ولا يحتمل التلكؤ، ولا إعادة تدوير النقاشات المعتادة والحلول التي تمر على سطح المشكلة ولا تنفذ إلى صميمها. ومواجهة كهذه تقتضي تحولا جذريا، مبدؤه أن نسأل: ما الغاية التي نتطلع إليها من التعليم؟ ويبدو لي أن جعل هذه الغاية إعداد الإنسان الذي يصنع الحياة أمر يستقيم مع العقل، وأن ساعته قد حانت.
المنطلق الأول: المسؤولية الفردية
فإن سلمنا بأن غاية التعليم هي الإنسان الذي يصنع الحياة، فإن تحقيقها يبدأ من سؤال يفرض نفسه، وهو من أين يبدأ هذا التعليم؟
فالجواب الذي أراه أنه يبدأ من الفرد نفسه، لا من سواه. فالتعلم في جوهره فعل فردي، لا يقع إلا في نفس واحدة، ولا ينوب فيه أحد عن أحد. قد نجتمع في قاعة واحدة، ونسمع كلاما واحدا، لكن ما يستقر في العقول بعد ذلك يختلف باختلاف من سمعوه. فالمعرفة لا تسكب في الرؤوس سكبا، وإنما ينالها كل امرئ بقدر ما يفتح لها من نفسه. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المحال أن يجبر أحد على التعلم. يمكنك أن تسوق الطالب إلى مقعده، وأن تلزمه بالحضور، وأن تفرض عليه الاختبار، لكنك لا تملك أن تلزمه أن يتعلم. ذلك باب لا يفتح إلا من الداخل. وهنا يقوم السؤال الذي طالما أرجئ: إذا كان التعلم فعلا فرديا لا ينتزع بالقسر، فكيف أقمنا نظاما بأسره على افتراض أن تحققه مسؤولية جمعية مؤسسية؟
إن نظاما يرافق الإنسان قرابة ستة عشر عاما، ثم يخرجه إلى الحياة عاجزا عن أن يتعلم شيئا وحده، نظام يستحق أن يساءل عن ثمرته. ما جدوى ستة عشر عاما تنتهي بمن لا يعرف كيف يبدأ؟ ثم إن الحافز الذي عولنا عليه طوال هذه السنين، وهو التقييم والدرجة، قد أثبت فشله. فقد ظننا أن الاختبار يصنع الرغبة، فإذا هو يصنع الحيلة؛ يتعلم الطالب كيف ينجو من الورقة لا كيف يفهم المسألة، فإذا انقضى الامتحان انقضى معه ما حفظ. ولم يقع هذا العبء على المتعلم وحده، فقد نيط بالمعلم ما ليس في وسع أحد أن يؤديه، وهو أن يوقظ في غيره رغبة لا توقظ من الخارج، فكان أن فتر شغفه هو الآخر.
وأصل الداء كله في مسألة واحدة، هي مسألة من يملك التعلم. حين يملكه غيرك، تصير فيه ضيفا، تنتظر أن يقال لك ما تقرأ ومتى تقرأ وكيف تقاس. وحين تملكه أنت، تصير فيه صاحب دار، تسأل لأنك تريد أن تعرف، لا لأن أحدا سيسألك. ومن حمل أمره بنفسه مضى، ومن حمله عنه غيره توقف حين توقف الحامل.
فإن أردنا للتعلم أن يتقد، فلا مفر من إعادة النظر في حافزه من أصله. والحافز الذي لا يخذل صاحبه ليس درجة تمنح ولا شهادة تعلق، بل الفضول، ذلك الذي ولد به كل طفل ثم أطفأه إلحاح التماثل مع الغير والالتزام بما رسمته له المؤسسة سلفا. انظر إلى الصغير قبل أن يدخل المدرسة، كيف لا يكف عن السؤال، ثم انظر إليه بعد سنين، كيف صار لا يسأل إلا عما يأتي في الامتحان.
ثم إن الحياة بعد المدرسة لا تنتظر أحدا. والعالم الذي يتبدل كل يوم لا يرحم من تعود أن يقاد. فمن لم يملك زمام تعلمه، وقف حيث تركه آخر معلم له، بينما يمضي الناس. والتعلم مدى الحياة ليس شعارا يرفع، بل ضرورة يفرضها عالم لا يثبت على حال؛ ولا يقوم به إلا من صار تعلمه ملكه هو.
وخلاصة ما نقول إن التعلم لا يستقيم حتى يحمل الفرد مسؤوليته بنفسه، فيحدد وجهته، ويطلب ما يطلب لأنه أراده لا لأنه فرض عليه، فيتعلم وحده حين ينقطع عنه المعلم، ويجدد معرفته كلما تبدل حوله شيء. وليست هذه الفكرة بنت اليوم ولا وليدة هذا المقال، فقد طرقت من قبل، وقام عليها ما عرف بالهيوتاغوجيا، أي التعلم المحدد ذاتيا. غير أنها بقيت في الكتب ولم تبلغ الممارسة، ولم تبن عليها سياسات ولا مؤسسات. وما دعوتنا إلا أن تنقل من هامش النظر إلى صلب البناء.
المنطلق الثاني: الفرادة البشرية
فإن سلمنا بأن التعلم يبدأ من الفرد وينتهي إليه، انفتح أمامنا سؤال آخر: ما معياره؟ وما الذي يستحق أن يتعلم اليوم أصلا؟ لعل أقرب الطرق إلى معرفة المعيار يمر بما شغل الناس هذه الأيام. فقد انقسم الناس في أثر الذكاء الاصطناعي على التعليم فريقين. فريق يستبشر بما يقدر عليه من تيسير التعلم وتخصيصه لكل متعلم، وفريق يخشى ما يجره من إفساد للتقويم وإضعاف للعقول، وهم الأكثر. وبين هذا وذاك يكاد يغيب من ينظر في المسألة من زاوية أخرى، لم أقرأ لمن طرقها فيما قرأت.
وتلك الزاوية أن هذه الثورة قد تكون أول ثورة في التاريخ لا تأتي لتزيح ما قبلها، بل لتعيد توجيهه إلى ما خلق له. فالتعليم كان تائها عن غايته منذ قرنين، مشغولا بإعداد أدوات لسوق العمل. فلما أقبل عليه ما يهدد وجوده، ولى هاربا من حيث لا يحتسب، فإذا هو يفر إلى معناه الأسمى، وإلى الموضع الذي كان ينبغي أن يقوم فيه منذ البدء ولم يقمه قط. وما ذلك الموضع إلا أن يوقظ في الإنسان ما يميزه عن سائر الكائنات، وسيميزه غدا عن الآلات الذكية. وهو ما نسميه الفرادة البشرية.
والفرادة البشرية عندنا كل صفة وكل كينونة تقرب الإنسان من أن يكون إنسانا كاملا. هي ما يمنحه قيمته التي لا تستبدل، ويبقيه مستقلا بأمره، مالكا لزمامه، لا تابعا لما صنعت يداه. فإن سألت عن مضمونها فهي ليست مادة تدرس ولا معلومة تحفظ، وإنما هي جملة العلاقات والمهارات التي بها يصير الإنسان إنسانا.
فهي علاقته بربه، وهي الدين الذي يرد الوجود كله إلى معناه. ثم علاقته بنفسه، وفيها هويته ولغته وثقته بذاته. ثم علاقته بأهله، حيث يتعلم أول ما يتعلم من الحب والواجب. ثم علاقته بجماعته ووطنه، فيدرك أنه جزء من كل يحمله ويحمل عنه. ثم علاقته بالأفراد من حوله، وفيها الحكم والقيادة ومكارم الأخلاق ومعاملة الناس بما يليق بإنسانيتهم. هذه هي دوائر الفرادة، تبدأ من فوق وتنتهي إلى من حوله. ومن هذه المفاهيم، يشيد التعليم الذي نريد. فإليها يتجه البحث والنظر، وحولها تصاغ السياسات والنظم، وعليها ترسم المنهجية التي نجيب بها عن سؤال: ماذا نتعلم؟
وقد يعين على هذا التصور سؤال صار يتردد: ما الذي لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤديه أو يعلمه؟ وهو سؤال نافع، غير أنه لا يكفي وحده. فهو يجعل الآلة هي المقياس الذي نقيس عليه أنفسنا، ونحن أولى بأن نبدأ من الإنسان لا من صنعته. فلنسأل أولا عن ماهية الإنسان، وعن معنى الحياة التي يحياها، ثم نستخرج من ذلك معيار ما يستحق أن يتعلم. عندها نعرف موضعنا، لا لأن الآلة عجزت عنه، بل لأنه لنا.
وبهذا يتم لنا المنطلقان اللذان يقوم عليهما البناء: مسؤولية الفرد عن تعلمه، وفرادته التي تحدد ما يتعلم. فالأول يهدينا إلى التعلم الذاتي، والثاني يسوقنا إلى المهارات التي بها تحيا إنسانيتنا. وذلك ما سأنظر فيه في الجزء القادم.

تعليقات